الرصاصة كانت على بعد أصبع من عنقه .. مرحبا بكم في سورية …؟؟


الرصاصة كانت على بعد أصبع من عنقه .. مرحبا بكم في سورية  ..

من كان يتصور أن جاره سيصير عدوا له … من كان يتصور أن من سيأكل لحمه تاجر من بلده … من كان يتصور أن يمشي الرجل في سورية وهو جائع لا يجد لقمة تشبعه .. وقد كنا نفتخر بأن سندويشة فلافل وقنينة كازوز تشبع عائلة بأكملها وتصرعه .. من كان يتصور أن يحدث ما حدث في سورية … الأخ يقتل أخيه .. والتاجر يأكل لحم أخيه .. ومعاملتك لا تمشي إلا لمن ترشيه .. والجسد في شرفنا صار أرخص ما فيه … من كان يظنّ أن من تربوا على شعارات الدفاع عن الوطن .. صاروا يحملون الأسلحة في وجه بعضهم .. من كان يتخيل أن يحمل الرصاصة من رفع يده لتحية العلمّ السوري .. ويبكي اذا شمّ عطر الياسمين والجوري .. ثم يقتل من خدم معه في الجيش السوري …؟؟

أقسمت أن لا أتكلم عن هذه الحادثة يوما .. ولكني اليوم أنكس بعهدي وأقول ما عندي .. كانت ليلة ظلماء تعمي التائه في طريقه وتنير درب كل أعمى .. كنا في ( مدينة دوما ) سيعرفها السوريين فقط وسيعرفها لمن يتابعون أخبار الثورة السورية ؟؟ كنا على بعد مفرق طريق واحد من عصابات الاجرام التي تبتهل باسم الله اكبر كي يمارسوا الاجرام باسم الله .. كانت الأوامر أن نحاصر المجموعة المسلحة في البناء الذين يتحصنون فيه .. وأن نأسرهم ان استطعنا .. وإن لم نستطع فعل هذا فالقتل هو الخيار الأخير .. كانت ليلة حالكة بالرصاص .. ومليئة بالمتفجرات .. كان اللهاث مجرد صوت أخرس لمن لا يعرف معنى الركض .. والخوف مجرد نكتة سخيفة لكفن على وشك أن تلبسه ….؟؟

كنت في الطابق الثاني .. أجرّ قدماي على الدرج المحطمّ وأرفع بندقيتي بكل خوف .. كي لا يغدر بي أحد القناصة من بناء آخر .. كان المبنى مفتوحا من جميع جهاته .. ونجوم الليل تلمع كأنها ضدي .. لم أكن أحتاج للضوء ..كنت أحتاج فعلا للعتمة كي تخفيني عن عيون كل ابن حرام يدافع عن وطنه لأجل حورية .. وحين وصلت الى نهاية الدرج في الطابق الثاني محاولا الدخول اليه .. وجدت بالصدفة من يلتصق بفوهة بندقيتي .. هي رقبة بشر … رقبة بني آدم يحمل في يده سلاح .. فصرخت فيه بلا ارداة .. ارمي سلاحك يا حيوان .. ارمي سلاحك قبل أن أفرغ فيك رصاصات سلاحي … المؤسف في الأمر أنه لم يستجيب لتهديدي … المضحك في الأمر أنه لم يكن حيوان …؟؟

كنت قد عدت من الامارات العربية المتحدة .. وكنت أظن أن في خمس سنوات قد دفعت بدل الجيش .. كنت أظن أن أمي سامحها الله تجمع لي ما أرسله لها كي تدفع البدل عني ..
ولكنها لم تفعل ولكنها فتحت حسابات باسم اخوتي عوضا عني وباموالي .. لا يهمنا الامر هنا .. طالما أن موت أبي ليس مبرر لعودتي الى البلاد بدون عذر ؟؟ و طالما ليس عندي عذر للتخلف عن الجيش .. ذهبت مرغما لخدمة العلم .. وصلت الى حلب في مدفعية الراموسة …. السوريين أبناء سورية سيعرفونها تماما .. وأبناء الثورة العاهرة أيضا سيعرفونها … لقد كانت كلية حربية لتعليم القذف بالدبابات والهاون والماتوليكا .. لقد كانت أصعب ست أشهر قضيتها في حياتي .. وأجمل ست أشهر مارست فيها جنوني حتى صار من يحملون على أكتافهم رتبة يستعيذون بالرب .. اذا سمعوا باسمي …؟؟

كان لي خمس أصدقاء فقط للحقيقة .. أبو عادل من الرقة وآسف لأني لا أتذكر أسمه الان.. ومحمد قصاد من حلب .. وأبو العلا من درعا ولا أتذكر اسمه حاليا .. وسامر العلي من القرداحة .. جورج حنا من الشام .. هؤلاء الذين لا أتذكر أسمهم .. فعلا لم أستطع تذكر اسمهم رغم محاولاتي الفاشلة في تذكرهم .. فقد كنت أناديهم فقط باسماء ( الأبو ) بمعنى أبو فلان وعلان .. ونسيت أسماؤهم الحقيقة في غمرة الذكريات التي ملئت عقلي من دون داعي … كانوا أصحابي وأكثر من أخوتي .. سجنت مع قصاد في ليلة الاجازة .. وتعاقبنا أنا وأبو عادل أمام عميد الكلية .. وضحكنا أنا وسامر العلي حين أنقذته من عقوبة حلق الشعر في نهاية دورتنا .. وتعانقنا أنا وجورج حين ذهب اجازة في يوم ميلاد المسيح .. وأكلت كفّ عوضا عن ابو العلا من ملازم أول دبور ( كنا نسميهم الدبابير في وقتها لأنهم كانوا يلبسون لبس الدبابير في الرياضة.. الأحمر والأسود ) .. كنت أردها له قصداً … لأنه ضرب أحد السوريين من أخوته عوضاً عني لمجرد أن هذا الملازم أهانني بكلمة صغيرة .. أنت فلسطيني سوري ولست سوري .. لماذا تخدم عندنا هنا….اذهب واخدم في فلسطين ؟؟ فاحتد هذا الصديق السوري لاجلي .. ولم أنساها .. فأخذت الكفّ عنه ..؟؟

كانت فوهة البندقية تعانق عرق رقبته الأيسر … وأنا أسمع لهاثه وهو يرفع يديه وبيديه السلاح .. كنت أنظر |إليه ودموعي تنسكب .. كنت أنظر إليه ولا أصدق عيوني التي ترى ما ترى .. هذا الوشم على خده الأيسر هو وشمّ خاتمي .. خاتمي الذي ضاع بعد أن أنهيت خدمتي العسكرية في الجيش العربي السوري في مدينة قطنا … هذا الخاتم الذي على وجههه قد زرعته في وجه أعز أصدقائي .. لقد كان مفتتناً بنفسه ومغروراً لدرجة أنه يمشي في المهجع ويشتم كل من أراد بلا خوف .. كان طويل القامة وزنديه أكبر من رأسي .. حتى ملازمنا الأول كان يخشاه بطريقة لم أفهمها .. حتى جاء يوم .. والتقينا في ساحة حرب لم يكن مبررّ لها ولم أطلبها يوماً .. سوى أن الوطنية تنفر من دمك فجأة حين تسمع أحدهم يشتم بلدك يشتم شهداؤك يشتم تراب عشت على أمل أن تعود إليه .. تعارك يومها مع أحد المجدندين الفلسطينيين السوريين في قسم الماتوليكا .. وجاء المهجع مثل عنترة بن شداد … ينفخ صدره ويزفر بقوته ويلعن كل فلسطيني في المهجع .. حينها أتذكر أني نزلت من سريري العلوي … ومشيت اليه في وسط الأسرة .. والوجوه التي تراقبنا من فوق الأسرة .. لا أذكر فعلا الحديث الذي دار بيننا .. ولكني أذكر أنه بطحني على الأرض ولكمني في وجهي حتى شعرت أن قبضته باب لم يحكم اقفاله .. .وظلّ يضربني على وجهي حتى استنزفت قوته وأنهكت عضلاته .. ثم ضربته بفخذ قدمي بين قدميه .. وحينها صرخ ناهضا عن جسدي .. ولا أتذكر سوى أن يدي كانت ملتصقة في وجهه بطريقة جعلت خاتمي يغوص في جلد بشرته … وبعد أيام صار اسمي المعلمّ على أبو العلا .. لقد طبعتُ على وجهه خاتمي حتى صار جزء لا يتجزأ من وجهه …المضحك في الأمر .. أنه جائني يوما حقير يتحداني بالقتال فقط لأنه يكرهني ولأني فلسطيني … فقام صديقي هذا بركله بقدمه على صدره حتى صار يبكي مثل الاطفال وحين قلت له لما فعلت هذا .. قال لي : أنت أخي في الوطن يا بلال … ولا أكذب عليك … كنت أخاف عليه من يديك .. نسيت أن أخبركم أني رجل يلعب ( قتال الشوارع ) منذ كان عمري 22 سنة ؟؟

رأيت الوشم .. هذا أبو العلا … هذا وجهه … هذه ملامح وجهه ؟؟؟ قلت له من أنت .. فقال لي أنا ابو العلا … ليته ما قال أنا أبو العلا … ليته كذب وقال اسم آخر لا أتذكره ولا أعرفه …كان يظن أن لحيته ستخفي حقيقته عني .. ونسي أن وشم خاتمي ما زال عالقا على خده ..؟؟ قلت له : هل تعرفني …. قال لي … شبيحّ حقير يدافع عن نظام قاتل كافر … ومثواك جهنم وبئس المصير … ضحكت لسخرية الأيام .. ضحكت لكل ما حدث بيننا في ست شهور … كؤوس الشاي والمتة … عقوباتنا الجماعية … ضحكاتنا ونحن نشرب سيجارة مالبورو سرقناها من الضابط ….ضحكت وقلت له وأنا أبكي … أنا من دافعت عنه يوما لأنه فلسطيني يا أبو العلا … أنا من ضربت يوما فلسطينيا فضربتك …. ثم قمت بعدها بضرب شخص سوري من أبناء بلدك لأجلي .. فقط لأني بلال …صديقك الذي لم تعرفه في مقعد دراسة .. أخوك الذي لم تلده أمك … رفيق خدمتك العسكرية التي كنت تقول فيها .. لولا بلال والله لكنت انتحرتّ …. أنا من شربت معه ( المتةّ ) مع أصدقاء دورتنا في غرفة ضابط في عزّ البرد وهو في إجازة … أنا من تحداني دبور ( يعني ملازم ولكنه تلميذ ) كي لا يَسجن سامر العلي في يوم التخرجّ .. وحققت كلامي ولم أتركه يُسجن ولا يحلق شعره .. أنا بلال فوراني يا أبو العلا .. أنا أبو مايا … هل نسيتني …؟؟

كانت الرصاصة على عنقه .. وكان قلبي في يده … كان الوطن في قلبي .. وكان الوطن في رصاصته … كان كل شيء قابل للتفسير .. إلا أن من أكلت معه ونمت معه وتعاقبت معه و تمردت على أوامر ضابط معه … لم يكن يستحق رصاصة …بل كان يستحق جنة يحلمّ بها .. بعدما خدروه شيوخ النكاح والفتنة .. بأن الله سيعدّه من الشهداء …. كان يستحق أكثر من هذه الجنة … ربما يكتشف اليوم أو بعد اليوم أن الجنة كانت في أرضه وليست في سمائه … ؟؟

\
/

على حافة وطن

في سورية لا تسألون ….. ما هي النهاية
في فلسطين لا أحد يعرف أصلاً ماهي الحكاية
لا يا سادة الوطن فيه بداية ولكن ليس له نهاية
أوطاننا عاهرة لأن فيها فقط … الوسيلة تبررّ الغاية …؟؟

#بلال_فوراني

Advertisements

شاركني برأيك.. ودعني أتنفس حرفك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s