حين يضيع الوطن .. لن تجد حنجرة تليق بصراخك .. هذه قصة مواطن ..؟؟


 

قصة مواطن

كل شيء جميل حدث في حياتك صار اليوم من الذكريات , الطريق الذي مشيت عليه يوما أنت وحبيبتك , المطعم الذي أكلت فيه أنت وأهلك , المقهى الذي شربت فيه أول سيجارة لك مع أصدقائك , البيت الذي كنت تحبي فيه على يديك وقدميك في صغرك , الجيران الذين ضاعوا في يابسة الموت وبحر الهجرة , الشارع الذي كنت تلعب فيه وتزعج جيرانك بصوتك وصراخك , كل تفاصيلك ابتعلها الحزن فجأة , كل الأوجاع استوطنت قلبك فجأة , كل شيء تغير ولم يعد كما كان يوما , لقد كان عليك في وقت ما أن تتخذ القرار المصيري , في أن تظل تحلم في بلد صار العيش فيه أكبر كابوس, أو أن تهرب الى بلد لا يعترف بك إلا كلاجئ مسكين, أو تنتظر ملك الموت أن يزورك على غفلة من عمرك السخيف, أو تنتحر وتمنح البشرية مكانا فارغاً في سجل أبناؤها الهاربين من خدمة الحياة.

كان كل حلمه أن يصير موظفاً محترما في دائرة حكومية, ويتزوج من الفتاة التي وعدها يوما بأنه سيكون فارس أحلامها , وصار موظفاً في دائرة لا تحترم إلا الذين يدورون حول مصلحتهم , وتزوج من امرأة لم تزره يوما في أحلامه , لقد عضه الحقدّ فصار قلبه أقسى من حجر الصوانّ , ونهشّ الفساد عظمه حتى صار من هذا القطيع الذي لا يرحم أحد اذا ما وقف في وجهه , قال له أخيه أحتاج الى ورقة من دائرتك , قال له لا بأس ولكن عليك أن تدفع ثمن هذه الورقة , قال له : معقول تأخذ مني رشوة .. أنا أخوك ؟؟.. فأجابه بضحكة صفراء : ولكن قد مات أبوك …؟؟

كانت تملك من الجمال ما توزعه على نصف حارتها الفقيرة , وكان عندها من الشرف ما توزعه على نصف رؤساؤنا العرب وملوكنا الهمجّ , لقد قررت مسبقاً أنها ليست سلعة رخيصة تمضغها العيون بشراهة ويسيل اللعاب لأجلها , لقد قررت أنها ستساعد أمها المريضة وأختيها الصغيرتان بعملها وتعبها وكدّها , وبحثت كثيرا عن عمل شريف في هذا البلد فلم تجدّ , ليس المشكلة أنه لا يوجد عمل شريف ولكن المشكلة أن الشرف في هذا البلد صار مربوطاً بمدى تضحيتك كي تحصل على هذا العمل .
في الأمس دخلت أمها أغلى مشفى في البلد …. وكان الثمن أغلى ما عندها …؟؟

كان سخياً كريما يساعد كل الناس , يساعد المحتاج والفقير والمريض , ويقول في نفسه إنما أعمل لوجه الله عسى أن يعوضني بخير , لم يتأخر التعويض كثيراً , فجروا مصنعه واحتلوا منزله وسرقوا امواله وهددوا بقتل عائلته , هرب من الموت هو وعائلته ونزح الى مدينة ثانية, لم يكن معه من المال أكثر مما يخرس تلك الافواه الجائعة , نام في حديقة عامة هو وعائلته , جاءه شخص سخيّ كريم يتحننّ عليه برغيف خبز , نظر في عينيه وبكى ,, لقد كان الفقير الذي يتعطف عليه يوميا وهو في طريقه الى العمل , لم يؤلمه الموقف فالدنيا دوارة , ولكن أكثر ما أوجعه أنه ليس معه مال كافي كي يعطيه لهذا الفقير .

كانت متدينة وتحب الله , تواظب على فروضها الخمس ولا تقطع حتى النافلة , سمعت أن جهاد النكاح حلال للمجاهدين بفتوى شيح حقير يدّعي الاسلام , كانت تحلم بالجنة , فسافرت كي تجاهد في سبيل الله , ضاجعها اثنا وسبعين رجلاً , حملت ثلات مرات وأسقطت الجنين , عادت الى بلدها من هذا الجحيم , بعدما اكتشفت أن جهادها كان للجنس فقط , أهلها تبرؤأ منها , مجتمعها قال عنها عاهرة , وحتى الذين ذهبت لتجاهد عندهم أفتوا بقتلها لأنها كافرة , لم تحتمل كل هذا , ألقت بنفسها من بناء عالي وانتحرت , لقد عاشت لله يوماً ثم قتلت نفسها هرباً من الناس وخجلاً من الله ؟؟

كان صديقه الأغلى من أخيه , كان أخيه الذي لم تلده أمه , صديق المراهقة وصديق الدراسة وصديق العمل , كانوا يتشاركون كل شيء , الضحكات النابعة من القلب , الدموع التي تحفر الخدّ , قصص العشق الفاشلة , هموم الأهل ومشاكلهم , لقد كانوا مثل توأم سيامي لا يفرقهم إلا عملية جراحية أو موت قادم , ولكن فرقهّم شيء غير متوقع, فرقتهم السياسة , فرقتهم زاوية الرؤية لما يحدث في البلد ومن السبب فيه , في الاسبوع الماضي مات أبيه ولم يأتي صديقه لتعزيته , ذهب اليه وطرق باب بيته , فتح له صديقه وبدا مرتبكاً واعتراه الخجل وقال له على الباب .. عذرا منك لم آتي لتعزيتك في موت أبيك , فضحك صديقه وقال له :
على العكس أنا الذي جئت أعزيك يا صديقي ..
جئت أعزيك على إنسانيتك التي ماتت ….؟؟

اعتقلوه على حاجز , كان مطلوبا من جهات الأمن , زجّوه في زنزانة قذرة , حلقوا له شعره وضربوه في أعضائه الحساسة , جعلوه يبكي بدل الدمع دمّ , مارسوا عليه أوسخ أنواع التعذيب , جلس المحقق معه ساعات وهو يتفننّ في اهانته , كي يقرّ ويعترفّ بأنه من أتباع الجماعات الارهابية , رنّ هاتف المكتب والمحقق يجيب : نعم سيدي … عفوا لكنه أعترف يا سيدي بكل شيء .. حاضر حاضر سيدي سنخلي سبيله …؟؟ نهض المحقق وقال له : نعتذر منك هناك خطأ في الاسماء … ستذهب الان الى بيتك …؟؟ ذهب الرجل ولكن ليس الى بيته … ذهب كي يتبعّ تلك الجماعات الارهابية .. بدافع الانتقام ؟؟

\
/

على حافة الوطن

تزحلق الصبي بصابونة أسمها الوطن العربي
فكُسِر ظهره …فجبّروا له ظهره في مشفى الأمة العربية
قال لأمه بغضبّ شديد : لما لم تنجبّي لي أخ أسندّ ظهري عليه
قالت الأم : تعال يا ولدي أخبرك ما فعل قابيل بأخيه هابيل …؟؟

بلال فوراني

Advertisements

شاركني برأيك.. ودعني أتنفس حرفك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s